محمد غازي عرابي
662
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 78 ] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 78 ) [ المؤمنون : 78 ] الإنشاء من النفس النباتية ، ولهذا وصفت العملية بالإنشاء أي خروج القوة من النشأة ، ويقال نشأة حيوانية ونشأة إنسانية ، وعليه فكل قوى الإنسان والحيوان والنبات تعمل باللّه ، ولولا اللّه ما عملت ، ولهذا قيل إن فعل البصر يتم لا بنور يصدر من العين فيقع على الشيء المبصر ، ولا بضوء يصدر من الشيء المبصر فتراه العين ، ولكن بفعل نور العقل الفعال نفسه الذي يمد النفس والحواس بقوى السمع والإبصار ، ودليل ذلك أن فعل الإبصار يتم في الدماغ . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 79 إلى 83 ] وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 79 ) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 80 ) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ ( 81 ) قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 82 ) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 83 ) [ المؤمنون : 79 ، 83 ] الذرء الخلق ، والذرء في الأرض نفخ الروح الحيواني في الجسم بعد تخلقه وتسويته في الرحم ، وما دام الروح الحيواني روحا فهو من روح اللّه ، فما في الوجود سوى هذه اللطائف الإلهية الظاهرة في الهيكل روحا وقلبا ونفسا وحقيقتها كلها واحدة . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 84 إلى 85 ] قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) [ المؤمنون : 84 ، 85 ] يذكر اللّه بالبدن الذي هو من صنع اللّه ، وبأنه يعمل باللّه ، ولهذا قيل إن النفس تفعل في البدن بواسطة الروح ، وإن الروح يفعل في البدن بواسطة النفس ، فما في هذا الوجود إلا هذه الوسائط لتحقيق الفعل الإلهي الذي هو النور . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 86 إلى 87 ] قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 87 ) [ المؤمنون : 86 ، 87 ] العرش الوجود العياني المادي المتكون بعد انفجار السديم الذري القديم ، والعرش خروج الدائرة العلمية الإلهية من كونها مرتقة لتتفتق علومها في دائرة الوجود العياني ، فما في الوجود سوى انتشار الأنوار الإلهية في سماوات المعاني وأرض الأبدان المباني . ولقد ربط بين الرب والعرش فجاء في الآية وَرَبُّ الْعَرْشِ ، وللربط لطيفة هي عودة إلى الربوبية التي تطلب التعلقات العيانية ، فالعرش في قبضة الرب ، والرب فيه فاعل ، فالرب في الوجود فاعل عن طريق تأثير أنواره في المربوبين ، وليس في الوجود إلا هؤلاء المربوبون ،